الخميس، 12 مايو 2011

القابلية للاستبداد، و التحدي الأكبر للبلاد


لمالك بن نبي -المفكر الجزائري الأشهر- تعبير شهير أطلقه على صفحات كتابه شروط النهضة هو القابلية للاستعمار، و قصد به حالة حضارية، و فكرية، ونفسية تمهد لقبول الشعب للاستعمار، و بدونها يظل الاستعمار غزوا لا يستطيع أن يستقر هانئا في أي بلد ، لذلك يسعى المستعمر إلى خلق هذه الحالة و استدامتها، و قياسا على ذلك فقد توسع بعض المفكرين في الفكرة و تحدثوا عن القابلية للاستبداد (أي للخضوع له) ، و للقابلية للاستبداد شروط عدة لعل من أهمها تصور الجماعة أن الاستبداد أصلح لأمورها، و أحفظ لسلامتها و أمنها، و قد نجد أثرا لذلك في حديث بعض المصريين اليوم في معرض التعليق على الفوضى الأمنية، أو الفتنة الطائفية ، أو المظاهرات الفئوية بأن الشعب المصري لا يحسن التعامل مع الحرية، وأنها (ما تنفعش معاه) ، وربما صيغت الفكرة بشكل صادم ( شعب ما ينفعش معاه إلا الكرباج) ، أو بشكل متعالم (تجربة التاريخ بتأكد إن الشعب المصري لازم له فرعون يحكمه) ، و الفكرة كلها تذكرنا بنظرية الشعب غير المهيأ للديموقراطية لأصحابها مبارك ، وسليمان، ونظيف ، و هي فكرة خطيرة، و غير علمية حين تتصور أن لشعب ما خصوصية تجعله لا يستطيع أن يعامل بغير القمع و القهر، و يعجر عن تحمل مسئولية الحرية، كما أنها تنطوي على مغالطة كبرى حيث تقارن الأوضاع بعد شهور قليلة من سقوط نظام الطاغية مبارك مع الديموقراطيات الراسخة منذ عقود أو حتى قرون، ولو أننا قارنا بين أوضاع مصر اليوم، و أوضاع فرنسا خلال العقد الأول بعد ثورتها لوجدنا أن الفوضى التي نعاني منها لا شيء مقارنة بما كان يحدث هناك في تلك الأيام، ولو أننا قارنا أحداث الفتنة الطائفية التي تقع الآن بما وقع في الهند بعد استقلالها من فتنة بين الهندوس والمسلمين راح ضحيتها الآلاف لما وجدنا وجدنا وجها للمقارنة، ناهيك عن الأوضاع غير المستقرة التي عرفتها دول أمريكا اللاتينية بعد التخلص من الديكتاتوريات العسكرية غير أن هذه الدول جميعا تجاوزت هذه المرحلة القلقة وأسست نهضة ما كان لها أن تتحقق لو لم تتخلص من الاستبداد.. إن حدوث مثل هذه الفوضى و الاضطرابات بعد سقوط نظام طاغ جثم على صدر الشعب طويلا لهو أمر مفهوم عند الاجتماعيين، ذلك أن أي مجتمع لا يخلو من تناقضات بين أديان مختلفة، و مذاهب متباينة، وأيدلوجيات متناحرة، وجماعات عرقية متجاورة، ومصالح طبقية ، وفردية متضاربة ، وفي الدول التي استقرت فيها الديموقراطية فإن إدارة هذه التناقضات يتم بواسطة مؤسسات دستورية و قانونية و مجتمعية، وفي إطار قيم وقواعد حاكمة، أما في الدول الديكتاتورية ، فتحل سلطة القمع محل المؤسسات، و "حكمة القائد" محل القيم والقواعد لذا فإن الغياب المفاجيء للديكتاتور، و تهاوي نظامه يصنع فراغا تكون الفوضى من مظاهره خاصة إذا أضفنا للمشهد تحركات بقايا الطبقة المتسلطة الآفلة في محاولة للانتقام ، و تخبط جهاز أمني يعاني أزمة التحول من كونه أداة للقمع إلى أداة لفرض القانون، و أمام المجتمع اليوم خياران؛ خيار الأمم الحرة و هو النضال من أجل صياغة المؤسسات الوطنية الرسمية و الشعبية ، و القواعد الحاكمة الكفيلة بتنظيم أمور البلد و القضاء على الفوضى مهما كان الطريق عسيرا، و السير شاقا ، أو القبول تحت سيطرة الخوف بالنكوص عن طريق الحرية ، و تسليم مصير البلاد لدورة جديدة من القمع تحت وهم التخلص من الفوضى و الفتن و الاضطراب ، و وهم العيش بأمان لا يمكن أن يكون حقيقيا إلا في دولة ديموقراطية و عادلة ، و إلا فهو أمان الأنعام التي تحيا فيه لأيام و شهور دون أن تشعر بالسكين الذي يتربص بها.

الأربعاء، 11 مايو 2011

تجارب تنموية عبر العالم ((2) ماليزيا: تنمية تستلهم الروح الإسلامية، و تنحاز للإنسان


(نقلا عن شرق برس)
استطاعت ماليزيا ان تثبت للعالم أجمع ان المسلمين قادرون علي تحقيق نهضة اقتصادية واعدة اذا ما امتلكوا زمام امورهم وذلك علي الرغم من تعدد الانتماءات العرقية فقد تغلبت علي كل الصعاب عن طريق استخدام الين في حل جميع المشاكل ، فاستطاعت ان تهزم الفقر وتقدم نموذجا اسلاميا فريدا يحتذي به.
فماليزيا التى تبلغ مساحتها (329.758) كيلو مترًا مربعًا، في منطقتين يفصل بينهما البحر الصيني الجنوبي لمسافة (531.1) كيلو متر، وتحدُّ ماليزيا الشرقية من الشمال جزر الفلبين، ومن الجنوب ولاية (كاليمنتان) الإندونيسية، أما ماليزيا الغربية فيحدُّها من الشرق البحر الصيني الجنوبي ومن الغرب مضيق مالاقا ثم جزيرة (سومطرة) الإندونيسية، أما من الشمال فـ(تايلاند) ومن الجنوب جزيرة (سنغافورة).
ويبلغ عدد سكان ماليزيا 28 مليون و نصف المليون نسمة ويتألفون من مجموعات متعددة، فالمسلمون يشكِّلون 56% منهم، والصينيون البوذيون 32%، والهندوس10%، والمسيحيون ومجموعات محلية 2%، وأغلب المسلمين من الملايويين، أما الصينيون فبوذيون والهنود هندوس، وقليل من الصينيين والهنود مسلمون.

كيف تهزم الفقر؟
تعتبر تجربة مكافحة الفقر في ماليزيا من أبرز التجارب التي كُللت بالنجاح على مستوى العالم الإسلامي الذي يعيش 37% من سكانه تحت خط الفقر، فقد استطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970-2000م) تخفيض معدل الفقر من 52.4% إلى 5.5%؛ وهو ما يعني أن عدد الأسر الفقيرة تناقص بنهاية عقد التسعينيات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عما كان عليه الحال في عقد السبعينيات.
ويتوقع إذا استمرت جهود الحكومة في محاربة الفقر على نفس الوتيرة أن يصل معدل الفقر بحلول العام 2005 حوالي 0.5%، ويكون الفقر المدقع قد تم القضاء عليه قضاءً مبرماً.
واللافت في تجربة ماليزيا أن الحكومة وجهت برامج تقليل الفقر التي تم تنفيذها لتقوية الوحدة الوطنية بين الأعراق المختلفة المكونة للشعب الماليزي، واستخدمت هذه البرامج كوسيلة سلمية لاقتسام ثمار النمو الاقتصادي، حيث كان التفاوت الكبير في الدخول، وعدم العدالة في توزيع الثروة سبباً في وقوع اشتباكات دامية بين الملايو (يشكلون الأغلبية 55%) والصينيين (يشكلون الأقلية 25%) في مايو 1969.
وبذلك ساهمت جهود تقليل الفقر بجدارة في تقليل التوترات العرقية وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي صار عنواناً لنهضة ماليزيا وازدهارها الاقتصادي.
وتسعى السطور القادمة إلى استعراض تجربة مكافحة ماليزيا للفقر من حيث الفلسفة والسياسات والبرامج، إضافة لتقديم نماذج عملية على مستوى القرى علها تقدم عبرة للفقراء في العالم الإسلامي.
فلسفة مكافحة الفقر
تقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن "النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل"، وعليه فإن مكاسب التطور الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابياً على المواطنين في تحسين نوعية حياتهم بما يشمل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أول المستفيدين من هذا النمو الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات العرقية الأكثر فقراً في المجتمع والأقاليم الأقل نمواً.حسبما ذكر الدكتور محمد شريف بشير استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة لموقع اسلام اون لاين .
ولا شك أن الإيمان بهذه الفلسفة دافعه الأول أن العلاقة بين زيادة النمو وتقليل الفقر طردية موجبة؛ لأن وصول الفقراء إلى تعليم أفضل، وإلى صحة أفضل ساهما بفعالية في عملية تسريع وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
وفي دول جنوب شرق آسيا عامة وماليزيا خاصة، أدت زيادة النمو بمعدل نقطة مئوية واحدة إلى تقليل عدد الفقراء بنسبة 3% أو أكثر، وهي أعلى زيادة تم تحقيقها بين الدول النامية.

فلسفة التنمية

وقد تُرجمت فلسفة التنمية في السياسات الاقتصادية التي وضعتها الحكومة بين عامي (1971-1990)، والتي وُضعت جراء الاشتباكات العرقية الدامية في 16 مايو 1965، وركزت على هدفين: الأول تقليل الفقر، والثاني إعادة هيكلة المجتمع.
وحددت هذه السياسة إستراتيجيات معينة لتقليل الفقر، مثل زيادة امتلاك الفقراء الأراضي ورأس المال المادي ورفع مستويات تدريب العمالة وزيادة الرفاهية العامة.
وتم التركيز على تحسين الزيادة النوعية والكمية في عوامل الإنتاج المتاحة للفقراء، وكانت هناك مجموعات عديدة من السكان الفقراء في الريف والحضر محل عناية خاصة باعتبارها الأشد فقراً.
كما تزايد الاهتمام القومي بمشكلة الفقر في 1974 عقب احتجاجات طلابية نتيجة تدهور أوضاع صغار مزارعي المطاط نتيجة انخفاض الأسعار وزيادة تكلفة الإنتاج.
واستمر هدف مكافحة الفقر في الخطط القومية للتنمية حتى إنه تم تعديل تعريف خط فقر الدخل عام 1986 في النصف الثاني من الخطة الخمسية الخامسة (1984-1990) ليأخذ في حسبانه إلى جانب احتياجات الحياة الضرورية من الغذاء وغير الغذاء، ما يجب أن يحصل عليه الفقراء من الملكية العقارية وصافي التحويلات المالية، وذلك حتى يعكس المؤشر الأبعاد المتعددة لطبيعة الفقر ونوعية الاحتياجات الأساسية (الغذاء والمسكن والملبس والخدمات الأساسية من مياه الشرب النقية والصحة والتعليم والمواصلات…) وفرص المساهمة الإيجابية المتاحة أمام الفقراء ومحدودي الدخل في عملية التنمية الاقتصادية.
من جهة أخرى تم تبني إستراتيجية لتوزيع الدخول في كل السياسات والخطط التنموية المشار إليها، هدفت مكافحة الفقر المدقع وإعادة هيكلة العمالة وزيادة تنمية الأعمال التجارية والصناعية للأغلبية الفقيرة من السكان الأصليين؛ مما أفضى إلى نتائج مهمة، منها انخفاض معدلات الفقر وتناقص فوارق الدخول بين المجموعات السكانية المختلفة.
في الوقت نفسه تضمنت السياسة الضريبية في ماليزيا بعداً اجتماعياً يستفيد منه الفقراء ؛ وذلك بتأكيد مبدأ التصاعدية في ضريبة الدخل، حيث يبلغ الحد الأدنى من الدخل الخاضع للضريبة حوالي 658 دولار أمريكي في الشهر، وتؤخذ الضريبة بعد خصم أقساط التأمين الصحي، ونسبة عدد الأطفال، ونفقات تعليم المعوقين من الأطفال ومن يعول من الوالدين، ومساهمة صندوق التأمين الإجباري.
كما أن الدولة الماليزية شجعت المواطنين المسلمين (أفرادا وشركات) على دفع الزكاة لصالح صندوق جمع الزكاة القومي الذي يدار بواسطة إدارة الشؤون الإسلامية في مقابل تخفيض نسبة ما يؤخذ في ضريبة الدخل.

دعم الفقراء
وقد نفذت الحكومة في إطار فلسفتها وسياساتها المواجهة للفقر برامج محددة أبرزها:
1-برنامج التنمية للأسر الأشد فقراً: ويقدم فرصاً جديدة للعمل بالنسبة للفقراء، وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية بهدف تحسين نوعية الحياة. ودعم جميع الحاجات.
2- برنامج أمانة أسهم البوميبترا: وهو برنامج تمويلي يقدم قروضاً بدون فوائد للفقراء من السكان الأصليين (البوميبترا) وبفترات سماح تصل إلى أربع سنوات، ويمكن للفقراء أن يستثمروا بعضاً من هذه القروض في شراء أسهم بواسطة المؤسسة نفسها.
3- برنامج أمانة اختيار ماليزيا: وهو برنامج غير حكومي تنفذه مجموعة من المنظمات الأهلية الوطنية من الولايات المختلفة، ويهدف إلى تقليل الفقر المدقع عن طريق زيادة دخول الأسر الأشد فقراً، وتقديم قروض بدون فوائد للفقراء، وتقدم الحكومة من جانبها قروضاً للبرنامج بدون فوائد من أجل تمويل مشروعاته للفقراء في مجال الزراعة ومشروعات الأعمال الصغيرة.
4- منحت الحكومة إعانات مالية للفقراء أفراداً وأسراً، مثل تقديم إعانة شهرية تتراوح بين 130-260 دولارا أمريكيا لمن يعول أسرة وهو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة.
5- تقديم قروض بدون فوائد لشراء مساكن قليلة التكلفة للفقراء في المناطق الحضرية. وأسست الحكومة صندوقاً لدعم الفقراء المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية في 1997، تتحدد اعتماداته في الموازنة العامة للدولة سنويًّا، إلى جانب اعتمادات مالية أخرى رغم تخفيض الإنفاق الحكومي عقب الأزمة المالية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وذلك لصالح مشروعات اجتماعية موجهة لتطوير الريف، والأنشطة الزراعية الخاصة بالفقراء.
6- توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، بما في ذلك مرافق النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس والخدمات الصحية والكهرباء، ونجحت أيضا في توسيع قاعدة الخدمات الأساسية في المناطق السكنية الفقيرة بالحضر في إطار إستراتيجية 2020م.
7- دعم أكثر الأدوية التي يستهلكها الفقراء والأدوية المنقذة للحياة، كما أن إتاحة الفرصة للقطاع الخاص في فتح المراكز الصحية والعيادات الخاصة جعل الدولة تركز على العمل الصحي في الريف والمناطق النائية، وتقدم خدمات أفضل ومجانية في جانب الرعاية الصحية للحوامل والأطفال.
8- القيام بأنشطة يستفيد منها السكان الفقراء مثل إقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وتساهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة.

مشروع الاسلام الحضارى

وقد ذكر الدكتور محمد شريف بشير في احدي ابحاثه المشروع الذي طرحه رئيس وزراء ماليزيا الحالي عبد الله أحمد بدوي لنهضة الأمة على هدي تعاليم الإسلام؛ وذلك من أجل استعادة دور الحضارة الإسلامية، ويسمى هذا المشروع بـ"الإسلام الحضاري" (Civilizational Islam/ Islam Hadhari) ، وهو اصطلاح يقصد به المنهج الحضاري الشامل لتجديد الإسلام في ماليزيا، ويستخدم كمحرك للأمة نحو التقدم والتطور والريادة الإنسانية.
ويهدف هذا المشروع لتقديم الإسلام بمنظوره الحضاري باعتباره دينًا يشمل كافة جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويلبي متطلبات الروح والبدن والعقل، ويعالج قضايا الفرد والجماعة والدولة. كما يعرض هذا المشروع منهجا شاملا ومتكاملا للعمل بالإسلام على نحو يميزه عن مناهج الدعوة والعمل الإسلامي كالصوفية والحركات الإسلامية السياسية، فضلا عن جماعات العنف والتكفير.
ويعرف رئيس وزراء ماليزيا مشروع الإسلام الحضاري فيصفه بأنه: "جهد من أجل عودة الأمة إلى منابعها الأصيلة، وإعطاء الأولوية للقيم والمعاني الإسلامية الفاضلة لكي توجه الحياة وترشدها"، كما حدد مبادئه في عشرة أشياء. الإيمان بالله ، وتحقيق التقوى ،والحكومة العادلة والأمينة ، وحرية واستقلال الشعب ، والتمكن من العلوم والمعارف ،و التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة ، وتحسين نوعية الحياة التي تعني سلامة الحياة واستقرارها وجودتها وتوفير متطلباتها الضرورية ، وحفظ حقوق الأقليات ، والمرأة ، بالإضافة الي الأخلاق الحميدة والقيم الثقافية الفاضلة ، وحفظ وحماية البيئة ، و تقوية القدرات الدفاعية للأمة .
وقد حدد الدكتور بدوي عشرة عناصر لتحقيق لإسلام الحضاري تمثلت في التعليم والإدارة الجيدة والتجديد في الحياة: بمعنى ترقية أساليبها من ناحية التمدن والحضارة و زيادة جودة الحياة وتوفير متطلبات الحياة الكريمة على أجود هيئة وأكمل حالة وقوة الشخصية من حيث الإخلاص والأمانة والحيوية والنشاط والشمول والسعة حيث يقوم المشروع على الفهم الشمولي للإسلام بالإضافة الي الواقعية والاستقلالية وعدم التبعية للأجنبي و تعزيز المؤسسة الأسرية.

تجارب تنموية عبر العالم (1)- معهد الهند التقني يخرج نخبة من قادة الشركات في العالم

يشهد عصر العولمة الكثير من الظواهر الغريبة التي لم تشاهد من قبل، منها أن عدداً متزايداً من رؤساء أشهر الشركات العالمية والقائمين على إدارتها، وكذا رجال الأعمال الناجحين والعلماء البارزين في حقول معارفهم، هم خريجو جامعة واحدة، هذه الجامعة ليست في أمريكا أو أوروبا أو اليابان بل في الهند، ويبدو أن العولمة ظاهرة اختلف المفكرون في تقويمها بشكل لم يسبق له مثيل، بيد أن هذا الاختلاف الحاد حطمته الصفوة المتميزة من خريجي معهد الهند التقني (IIT) في الهند، وأثبتوا أن العولمة لا تعرف الحدود السياسية، فالموهوبون تبحث عنهم وتستقطبهم الشركات العالمية دون النظر إلى العرق أو لون البشرة، بل فقط الموهبة والقدرات الذهنية والمعارف.

من سجن إلى حرم جامعي!
في عام 1951م حين نالت الهند استقلالها من بريطانيا، عزم رئيس وزرائها آنذاك جواهر لال نهرو على توجيه عجلة النمو في بلده تجاه التصنيع والتقنية. وكان من اللازم أن يشكل أبناء البلاد لبنة هذا النمو وذلك بحصولهم على المعارف والعلوم والتقنية. وارتأى نهرو أن تنفق الدولة من عزيز مالها على مؤسساتها العلمية، بدلاً من الاعتماد على الدعم المالي من المؤسسات العلمية الغربية. ومن ثم تبلورت فكرة إنشاء «معهد الهند التقني» (IIT) مستنداً إلى نموذج المعهد الأمريكي التقني الشهير (MIT) وبدعم مالي من منظمة "اليونيسكو" التابعة للأمم المتحدة.
ونظراً لمحدودية المصادر، لم تستطع الهند بناء حرم جامعي فاره، بل حولت سجناً قديماً كانت تستخدمه بريطانيا في سنوات الاحتلال لسجن الهنود إلى أول حرم جامعي لذلك المعهد.
وكانت قصة نجاح استتبعها فتح خمسة فروع للمعهد في شمال وغرب البلاد، كل فرع مكلف بتقديم تخصص يختلف عن الآخر وبأعلى المستويات العلمية على الصعيد العالمي. هذه التخصصات هي: الفيزياء والهندسة الميكانيكية والهندسة الكيميائية وعلوم الحاسب الآلي وعلوم الفضاء.

المواطن أم الوطن؟
قد تعجب عندما تعرف هذه المعلومات عن الهند، خصوصاً أن هذه الدولة ينظر لها كشعار للفاقة والفقر، ولمواطنيها موضع العطف بل وعدم الاكتراث والاستصغار، ولعلنا نذكر على استحياء كيف كان المواطن الهندي مضرباً للأمثال الهازئة أحياناً.
ومن اللافت، والجدير بالتأمل أن هذا البلد الفقير ومواطنوه استطاعوا الارتقاء بوطنهم، وتخريج أجيال من الموهوبين الذين تقلدوا أعلى المناصب في الشركات العالمية، لقد علت الدهشة الخبراء في قطاع المصارف العالمية- وهو قطاع يتسم بالمنافسة الشرسة، ويتطلب لقيادته قدراً من التميز والكفاءة والقدرات الذهنية- عندما تم تعيين خريج من معهد الهند التقني كمدير عام لمجموعة سيتي بانك (Citigruop) المصرفية العريقة، كما فوجئ قطاع النقل الجوي العالمي بتعيين خريج آخر من تلك المعاهد كرئيس لخطوط طيران يو. أس. أيه (US Airways). أما على صعيد صناعة الحاسبات الآلية وبرامجها وقطاع الاتصالات فهما زاخران بهؤلاء الموهوبين الهنود، ومن بين هذه الشركات شركة صن للأنظمة (Sun Micro Systems) وشركة كاسكيد للاتصالات (Cascado Cmmunication).
وتقديراً لموهبة هؤلاء الخريجين وقدراتهم عهد لهم سوق المال في وول استريــت استحــداث أوعيـة استثمارية جديدة (Derivatatiues) تخضع لرياضيات بالغة التعقيد.

صناعة الشباب
معاهد التقنية الهندية استطاعت أن تصنع أجيالا فذة من خلال تلقيهم برامج دراسية "صعبة وذات مستوى رفيع" مما جعل خريجيها سادة حل المعضلات التقنية. ولعل من أبرز ما أنجزته هذه المعاهد تدريب الشباب على استخدام مقدراتهم العقلية في حل المشكلات الشائكة والعالية التعقيد، كذلك تم تدربهم على استخدام العقل للتعامل مع الرياضيات، مما أدى إلى تفوق الطلاب الهنود على أقرانهم الأمريكيين الذين يعتمدون بشكل كبير على الآلات الحاسبة وبشكل أقل على العقول المتدربة.
ويقول رئيس شركة طيران (Us Airways) الهندي إن سرعة حاسباته العقلية هي التي أعطته ميزة في عمله وساعدته على النجاح وتخطي الكثير من العقبات التي ألمت بالشركة. كما اتجهت معاهد الهند التقنية إلى تلقين طلابها العلوم النظرية وكذلك الممارسة العملية وكأنها جمعت بين أفضل الجامعات الأكاديمية مع أعلى المعاهد التقنية في قالب واحد.

الوطن الجديد
أدى التفوق والتميز في مستوى خريجي هذه المعاهد إلى هجرة الآلاف منهم إلى الولايات المتحدة للاستفادة من الفرص الحياتية المميزة، وعلى الرغم من أن الحكومة الهندية تتحفظ على هذه الظاهرة، إلا أن مردود هؤلاء المادي والمعنوي على الهند يجعلها تغض النظر عن ذلك.
في عام 1998 استقبلت الولايات المتحدة حوالي ثلث خريجي هذه المعاهد، -وكمثال لذلك خريجو معهد الحاسبات الآلية، فإن سيليكون فالي (Silicon Valley) بولاية كاليفورينا- مهد صناعة الحاسبات الآلية بأمريكا- يجتذب ما لا يقل عن 80% من خريجي هذا المعهد سنوياً! وعلى العموم فهجرة هذه العقول تخلق فوائد متبادلة فشباب الهند يستفيد من فرص العمل والدخل المادي الكبير، وعلى جانب آخر توظف الشركات الأمريكية هذه المواهب في السبق في التقنيات ومن ثم تحقيق السيطرة على الأسواق.

بلدي الحبيب
بالرغم مما تقدمه الولايات المتحدة لهذه الصفوة من الشباب النابغ، فإن كثيراً منهم لا ينسون أو يتناسون بلدهم، فنجد كثيراً منهم يقوم بالتبرع بسخاء للتعليم في بلادهم وإقامة المشروعات الصناعية وتمويلها أو إمدادها بالمشورة الفنية مما يعود على الهند ومواطنيها بالخير، فلقد قام أحدهم بالتبرع بثلاثة ملايين دولار لبناء كلية الإدارة التابعة لمعهد آي. آي. تي في بلده. ويقوم آخر بتبني مشروع إقامة كلية إدارة الأعمال بالاشتراك مع كلية "وارتون" (Warton) الأمريكية الشهيرة مثل «إنتل» و«فيليبس» بواعز من الشباب الهندي الذي أصبح ينتمي لها بالاستثمارات الكبيرة في الهند.
تذكر التقارير أنه نظراً لعوز الطلبة الهنود، فمن العادي جداً أن يشترك 25 طالباً في كتاب واحد، حيث يقومون بتبادله وتصوير أجزاء منه، ومع ذلك يحقق هؤلاء الدارسون التفوق الواضح والذي يدفع بعض الجامعات الأمريكية ذائعة الصيت إلى أن تكتب إلى هذه المعاهد عارضة منحاً دراسية لخريجيها لإكمال الدراسات العليا بها، بل إن جامعة «ماريلاند» أبدت استعدادها لاستيعاب كافة الخريجين وإعطائهم منحاً للدراسة في الولايات المتحدة.
نقلا عن موقع باب www.bab.com

الأحد، 8 مايو 2011

رواد مسيحيون في الحضارة الإسلامية


عرفت العهود الذهبية للحضارة الإسلامية و العواصم الزاهرة من سامراء و بغداد إلى قرطبة لكل ذي حق حقه، وقدمت المجتمعات الإسلامية في عصور النور من تاريخنا كل ذي علم و خبرة إلى منزلته التي يستحقها بصرف النظر عن ديانته، أو أصله ، و قد كان العصر الأموي ثم العباسي الأول شاهدين على ذلك إذ لمع عدد من المسيحيين الرواد في مجالات الترجمة ، والطب ، والفلسفة وغيرها ، وقدمهم الخلفاء إلى المكانة التي يستحقونها دون أن يمنعهم دينهم عن الترقي الاجتماعي أو يمنع المجتمع من الاستفادة منهم، و نذكر منهم:
1- سرجون التغلبي: تولى ديوان المال (وزارة المالية) لمعاوية بن أبي سفيان واليا و خليفة، وكان من عائلة توارثت هذا المنصب ، فأبوه كان رئيس ديان الجباية في دمشق في عهد هرقل قبيل الفتح الإسلامي للشام، و بعد الفتح استمر في العمل تحت ولاية معاوية في خلافة عمر بن الخطاب، عثمان، ولما توفي عين ابنه سرجون في ذات المنصب.

2-يوحنا الدمشقي (وهو منصور بن سرجون المذكور أعلاه): تولى ديوان المال ليزيد بن معاوية. بقي في منصبه حتى عهد هشام بن عبد الملك ، ثم استقال وتوجه لحياة الرهبنة ، و يعتبر من أهم القديسين عند الروم الأرثوذكس

3-الأخطل التغلبي: شاعر من العصر الأموي من الصف الأول، متفق على أنه ضمن أشعر ثلاثة في تاريخ الشعر الأموي مع الفرذدق ، وجرير ، و كان نديما لخلفاء بني أمية حاضرا لمجالسهم ، و مقربا منهم.. ينتمي إلى طائفة الروم الأرثوذكس

4- عائلة بختيشوع: عائلة مسيحية نسطورية أسسها بختشيوع بن جورجيس و هو من خوزستان غربي إيران.. استدعاه الخليفة أبو جعفر المنصور ليعالج مرض أمعائه، وبقي هناك في بلاطه ، وقد أسس عائلة معروفة بالطب تولت جميعها العلاج و التدريس و الترجمة ببغداد لهارون الرشيد بن المنصور و أبنائه وهم جِبرائيل الأول بن بختشوع الأول، و جرجيس بن جبرائيل الأول، وبختشوع الثاني بن جبرائيل الأول وجبرائيل الثاني بن بختشيوع الثاني، و بختشوع الثالث بن جبرائيل الثاني و يوحنا بن بختشيوع الثالث و عبيدالله الأول بن بختشيوع الثالث و جبرائيل الثالث وعبدالله الثاني.

5- حنين بن إسحق: أبو الترجمة في التاريخ الإسلامي.. مسيحي نسطوري من الحيرة جنوب العراق تولى رئاسة بيت الحكمة في عهد الخليفة المأمون ، و عاصر بعده ثمانية خلفاء .. نبغ أيضا في طب العيون ، ويعتبر كتابه في طب العيون أقدم كتاب مرجعي مدرسي (Textbook) في هذا التخصص في التاريخ.

6 إسحق بن حنين بن إسحق: ابن حنين بن إسحق المذكور أعلاه اشتهر بطب العين مثل أبيه ، وكان مترجما لكتب الحكمة و الهندسة الطب في دار الحكمة التي يرأسها أبوه . اتصل بالخلفاء و صار من المقربين في بلاطهم ، وكان أقرب أصدقاء القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد بالله .. أسلم في آخر حياته.

الجمعة، 6 مايو 2011

مصطلحات اقتصادية ينبغي أن يعلمها الجميع


يحتاج المواطن لفهم بعض المصطلحات الاقتصادية الشائعة الاستخدام حتى يتمكن من فهم الحديث عن التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، والبرامج الاقتصادية المختلفة التي تعرضها الأحزاب السياسية، ولا يقع في مصيدة العبارات الغامضة و الأرقام الضخمة التي قد يستخدمها بعض الرسميين للدفاع عن سياستهم الاقتصادية معتمدين على عدم إدراك الناس لمعانيها الكاملة، ونبدأ بأكثر هذه المصطلحات شيوعا:

1-الناتج المحلي الإجمالي: تقييم للحجم الكلي للاقتصاد المحلي، ويعبر عن مجموع السلع و الخدمات المنتجة في البلاد في عام كامل مقومة بالعملة (المحلية أو الاجنبية) ، يقدر الناتج المحلي الاجمالي لمصر في 2010 ب 216 مليار دولار تقريبا، بمعدل نحو 2700 دولار للفرد ، وقد يبدو الرقم كبيرا للوهلة الأولى، ولكن عندما نقارنه بدولة مثل الأردن ، وهي دولة صحراوية بالكامل و غير نفطية يبلغ عدد سكانها 6 مليون شخص نجد أن الناتج المحلي الاجمالي لها 32 مليار دولار تقريبا ، و هو رقم يبدو أصغر بكثير ولكن نصيب الفرد يساوي تقريبا 5750 دولار أي ضعف نصيب المواطن المصري.

2-الناتج القومي الإجمالي: يساوي الناتج المحلي الإجمالي + مجموع ما ينتجه المواطنون خارج الوطن من سلع و خدمات و يتم تحويله للبلاد لذلك فهو دائما أكبر من الناتج المحلي الاجمالي، لكن المعيار الأهم بينهما يظل الناتج المحلي الاجمالي لأنه الذي تنعكس عليه برامج الحكومات.

3-النمو الاقتصادي: معدل الزيادة في حجم الناتج المحلي الإجمالي في عام مقارنة بالعام السابق له.
متى يعتبر النمر الاقتصادي جيد.. في الدولة المتقدمة التي يكون حجم الناتج القومي فيها ضخم للغاية يعتبر نمو من 2-3 % مقبولا للغاية لكن في الدول النامية يفترض ألا يقل النمو عن 5% و قد يصل في الدول الصاعدة مثل الصين ، إلى 9 او 10 %

هل نمو الناتج المحلي الاجمالي هو المعيار الأهم لتقييم الخطط الاقتصادية؟
هذا ما تقوله بعض المدارس اليمينية الجديدة في الولايات المتحدة تحديدا، و هو ما ادعته حكومة أحمد نظيف ، و أصرت عليه، ولكن الرؤى الاقتصادية السائدة في أغلب الاقتصاديات الناشئة، و في المدارس الاقتصادية الغربية الأقل تطرفا هو أن معيار النمو ليس المعيار الوحيد أو حتى الأهم لسياسة اقتصادية ناجحة، فمن الأرقام السابقة نجد أن نصيب المصري من الناتج المحلي (المحسوب بقسمة الناتج الاجمالي على عدد السكان) يساوي تقريبا 16 ألف جنيه سنويا (وهو الرقم الذي أخذ وزير الاقتصاد السابق عثمان محمد عثمان يصرح به للصحف )أي نحو 1.350 جنيه بالشهر بينما تشير تقارير أممية عدة إلى أن 35% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر الدولي المقدر بدولارين يوميا (حوالي 360 جنيه للفرد) ، وهذا التباين يدل على أهمية اعتبارات التوزيع وليس فقط أرقام الناتج الاجمالي، و لذلك صار مقررا أن توضع معايير مثل معدلات البطالة ، و عدالة الأجور ، والتضخم، و نسبة المتعلمين إلى عدد السكان، ومستوى التعليم، و كفاءة المنظومة الصحية بشقيها الوقائي و العلاجي ، و توفر السكن المناسب، و نسبة الفقراء إلى السكان ، و المعايير البيئية كمحددات لتصميم و تقييم الخطط الإقتصادية، و هو ما ينقلنا لمفهوم التنمية

4- التنمية:
تعبر التنمية عن التقدم المستمر في مختلف المعايير الحياتية في البلاد، والتي تشمل دخول الأفراد الحقيقية، و خدمات التعليم، والصحة، والبنية الأساسية ، والخدمات العامة، بالإضافة إلى المعايير البيئية ، و يعتبر نمو الناتج المحلي المجرد أحد معايير التنمية ، ولكن اعتبارات الاستخدام والتوزيع تظل المعيار الأهم.

5- التضخم:
يعبر التضخم عن متوسط الزيادة السنوية (أو الربع سنوية أو الشهرية) للأسعار، وهو معيار عام يمكن تحليله بدراسة معدل الزيادة في أسعار مختلف أنواع السلع (السلع الغذائية، الملابس، السلع المعمرة، الاتصالات، الخدمات المختلفة..الخ)
أسباب التضخم:-
أ- التضخم النقدي: السبب الكلاسيكي للتضخم هو الإفراط في إصدار العملة، مما يؤدي للزيادة في الطلب و رفع الأسعار
ب- التضخم التنموي: يحدث في الدول الصاعدة اقتصاديا حيث يؤدي الإزدياد الكبير المضطرد في الدخول مع تحسن الوضع الاقتصادي لزيادة الطلب بينما لا ينمو العرض بنفس السرعة
ج- التضخم المستورد: عندما تعتمد بلد ما على الإستيراد بشكل كبير تكون عرضة لارتفاع كبير في الأسعار بسبب زيادة الأسعار العالمية بينما لا يكون هناك سبب محلي للتضخم.
د- التضخم الاحتكاري: الناتج عن رفع المنتجين، أو التجار المحتكرين لأسعارهم لغياب التنافسية الحقيقية
هـ - التضخم الوهمي: الناتج عن ازدياد وهمي في الطلب بسبب المضاربات أو الاندفاع في الشراء لتوقع نقص المعروض في أعقاب أزمات سياسية أو كوارث طبيعية.
أخطار التضخم: 1-ازدياد الفقر في ظل انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين
2- خطر الكساد: مع استمرار الارتفاعات في الأسعار يبدأ المواطنون تدريجيا في تعديل خطط استهلاكهم و يتخلون عن المزيد و المزيد من السلع من أجل توفير الأموال اللازمة لشراء السلع الضرورية مما يؤدي للكساد، الذي يؤدي لفقد الوظائف و تخفيض الأجور، و يسبب الكساد في النهاية في انخفاض لمعدلات التضخم و ربما انخفاضا للأسعار ، ولكن لا يكون لذلك أثر إيجابي كاف لأن انخفاض الدخول في حالة الكساد يكون أكبر.

سياسات مواجهة التضخم: تلجأ الدول عادة لمحاربة من خلال عدة طرق: أ-التسعير الجبري: وهو أسلوب على وشك الانقراض ، ويؤدي لظهور السوق السوداء و زيادة معدلات الفساد. ب-توفير السلع التي يتزايد الطلب عليها بواسطة الحكومة بأسعار مدعومة للتأثير في أسعار السوق و دفعها للانخفاض. جـ - سياسات سحب السيولة من الأسواق مثل إصدار سندات حكومية، وخفض الانفاق الحكومي، و زيادة سعر الخصم، ونحو ذلك من الإجراءات المالية

6-الدين العام:
هو ما تقترضه الحكومة لسد الفرق بين الإيرادات والمصروفات في الموازنة العامة (يسمى الأخير بالعجز في الموازنة)، و لتمويل مشروعات بنيوية، أو تنموية ، أو مصروفات عسكرية
سواء من الدول الأخرى و البنوك الأجنبية، ومؤسسات الإقراض الدولية (دين خارجي) أو من الأشخاص الحقيقيين و الاعتباريين داخلها (دين داخلي)
هل الاقتراض خطأ أو خطر؟
من الناحية العملية لا يوجد دولة بدون دين عام، ولا يوجد دولة لا تقترض بشكل أو بآخر، و الغالبية الساحقة من دول العالم تواجه عجزا في الموازنة باستثناء الصين، وبعض الدول النفطية نظرا للأعباء و المهام المتزايدة الملقاة على عاتق الحكومات، و تعتبر الاستدانة مقبولة بشرط أن تكون أوجه انفاق المبالغ المستدانة مبررة، فلا بد من خفض الانفاق الحكومي غير الضروري، و تحسين استغلال موارد الموازنة قبل اللجوء للدين، و يجب أيضا أن يكون الدين في الحدود التي تستطيع الدولة الوفاء بأقساطه بدون أن يهددها بالإفلاس أو بالتخلي عن أوجه عامة للانفاق العام.
هل الدين الخارجي أفضل أم الداخلي؟
لكل مساوئه، فالخارجي يضع البلاد تحت ضغط الممولين، الذين قد يعتبرون ذلك فرصة لفرض أجندة سياسية ما أو إجراءات اقتصادية لا تتوافق مع مصالح البلاد، و لدى مصر تجربة المعونة الأمريكية والشروط السياسية التي تحاول أمريكا وضعها عليها وتجربة لجوء مصر لصندوق النقد الدولي في بداية التسعينيات من القرن الماضي حيث اشترط الصندوق بدء عملية الخصخصة التي كان لها انعكاسات يعلمها الجميع، أما الاقتراض الداخلي فهو محدود أولا بقدرة الاقتصاد الوطني علي التمويل، ثانيا أن الإفراط في الاستدانة الداخلية يؤدي إلى رفع الفائدة بما ينعكس سلبا على الاستثمار.

الخميس، 5 مايو 2011

المباديء الإسلامية للاقتصاد


أصبح مفهوم الاقتصاد الإسلامي من المفاهيم المتداولة والتي يستخدمها العلماء و الاقتصاديون و الدعاة و العامة على نحو غير محدد ، وقد يوحي المصطلح بوجود نظرية اقتصادية إسلامية قائمة بالمعنى الأكاديمي للنظرية الاقتصادية، وهذا غير صحيح بشكل مطلق، فالنظرية الاقتصادية تعني الإجابة على ثلاث أسئلة هي "ماذا؟" ننتج، و "من؟" يقوم بالانتاج و "كيف؟" نقوم بتوزيع فعال و عادل لعوائد هذا الانتاج، و لا توجد إجابة إسلامية محددة لهذه الأسئلة، فهي متروكة لاجتهاد أهل الخبرة و الاختصاص ، وقد تتغير الإجابة من مكان لآخر ومن فترة زمنية لأخرى تبعا لظروف المجتمع الراهنة، وحسب المصلحة، ولا عيب في ذلك فحيثما تكون المصلحة فثم شرع الله، فلا توجد إجابة شرعية عن سؤال ماذا ننتج؟ ، وأي السلع والخدمات التي ينبغي أن نوجه الاهتمام بها ونعطيها الأولوية، وهذا من أمور الدنيا التي يعلم بها أهل الاختصاص، ففي الدول كثيفة السكان قد يكون الاهتمام بالانتاج كثيف العمالة أولى بعكس الدول قليلة السكان حيث من الأفضل الاعتماد على الانتاج قليل العمالة عالي التكنولوجيا، كما تدخل اعتبارات الميزة النسبية و التنافسية ضمن عوامل الاختيار إلى غير ذلك مما يبسطه الاقتصاديون في كتبهم ودورياتهم، كذا لا توجد إجابة شرعية على سؤال "من؟" فلا نصوص شرعية تحتم على الدولة المشاركة في عمليات الانتاج وبناء المصانع و السيطرة على الموارد أو ترك العملية برمتها للقطاع الخاص، و قد أخطأ الشيخ مصطفى السباعي حين ادعى انحياز الشرع للخيار الأول كما أخطأ آخرون ادعاء أن الشرع مع خيار السوق ، فهذا أيضا متروك للمجتمع يحدد خياراته ويعدلها وفقا للظروف الموضوعية، و نفس الأمر ينطبق على سؤال "كيف؟" فهل نعتمد خيار الدعم المادي أم الدعم العيني، أو نحافظ على الدعم أو نقلل حجمه أو نزيده كل ذلك مما ليس في الشرع محددات له سوى صدق النوايا و مراعاة المصلحة العامة، فهل يعني ذلك أنه لا يوجد أي مبرر لإطلاق عبارة "الاقتصاد الإسلامي"؟..هذه أيضا ليست الإجابة الصحيحة ، فقد وضع الإسلام مرجعية قيمية للنشاط الاقتصادي، وللقرارات الاقتصادية تهدف لأن ينسجم هذا النشاط ضمن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية في عمارة الأرض، و تكريم الإنسان، ويمكن أن نحدد في ما يلي بعض عناصر هذه المرجعية:
1- منع استغلال عوز الناس أو جهلهم -- انطلاقا من هذه القاعدة جاء تحريم الربا ، و تحريم تلقي الجلب، وبيع الحاضر للباد إلى آخر الممارسات المنهي عنها في الشرع التي كانت تقوم على استغلال الفقراء أو الضعفاء، أو السذج

2- حفظ حقوق الأفراد و تحريم التعدي على الملكيات: من ذلك الأمر بكتابة الديون، وتغليظ عقوبة تغيير منار الأرض، و تحريم أكل الأموال بالباطل

3- اعتماد التنافسية الشريفة القائمة على منع كافة أشكال الاحتكار بما يحقق العدالة بين المنتجين و مصلحة المستهلكين

4- التصدي للغش، واعتماد مبدأ الشفافية في المعاملات: تأسيسا على ذلك حرمت الشريعة كل البيوع القائمة على الغرر مثل بيع المنابذة و الملامسة، وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وبيع حبل الحبلة إلى آخره

5- الندب إلى إعمار الأرض و إصلاح الموات: أتت الأحاديث بثواب من يزرع زرعا يأكل منه إنسان أو حيوان، و كان من سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن من أصلح أرضا فهي له

6- حماية الطبقات الأضعف ، و توفير الحياة الكريمة لهم ، و قد حرصت الرؤية الإسلامية على الحفاظ على دورين متكاملين لكل من الجانب الرسمي و المجتمع المدني في هذا الأمر، فحث على المبادرة الفردية للعمل الخيري، و ندب إلى الإنفاق، وإيقاف الأوقاف و غيرها من أوجه العمل الخيري الاجتماعي من جانب، ومن الجانب الآخر فقد كانت الممارسة في العهد النبوي و عهد الخلافة الراشدة واعية للدور الذي يجب أن تلعبه الحكومات في ذلك ، فعندما كثر الفيء في السنوات الأخيرة لحياة الرسول أعلن تكفله (باعتباره حاكم المسلمين ) بديون من توفي وعليه دين لا يستطيع ورثته سداده، كذا قام عمر بن الخطاب بصرف الرواتب بانتظام من بيت المال ، و تقديم الرعاية الحكومية لغير القادرين من المسلمين وغيرهم من مواطني الدولة